الجاحظ
25
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
وقال اللّه عز وجل : وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ . وتقول العرب ليس شيء أدفأ من شجر ، ولا أظل من شجر . ولم يكلّم اللّه موسى إلا من شجرة ، وجعل أكبر آياته في عصاه ، وهي من الشجر . ولم يمتحن اللّه جل وعز صبر آدم وحواء ، وهما أصل هذا الخلق وأوله ، إلا بشجرة . ولذلك قال : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ . وجعل بيعة الرضوان تحت شجرة . وقال : وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ . وسدرة المنتهى التي عندها جنة المأوى شجرة . وشجرة سرّ تحتها سبعون نبيا لا تعبل ولا تسرف « 1 » . وحين اجتهد إبليس في الاحتيال لآدم وحواء صلى اللّه عليهما ، لم يصرف الحيلة إلا إلى الشجرة ، وقال : هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى . وفيما يضرب بالأمثال من العصي قالوا : قال جميل بن بصبهري حين شكا إليه الدهاقين « 2 » شر الحجاج . قال أخبروني أين مولده ؟ قالوا الحجاز . قال ضعيف معجب . قال فمنشؤه ؟ قالوا الشام . قال ذلك شر . ثم قال ما أحسن حالكم إن لم تبتلوا معه بكاتب منكم ، يعني من أهل بابل . فابتلوا بزاذان فروخ الأعور . ثم ضرب لهم مثلا فقال : إن فأسا ليس فيها عود ألقيت بين الشجر ، فقال بعض الشجر لبعض : ما ألقيت هذه هاهنا لخير . قال : فقالت شجرة عادية إن لم يدخل في است هذه عود منكن فلا تخفنها . وقال يزيد بن مفرّغ : العبد يقرع بالعصا * والحرّ تكفيه الملامة
--> ( 1 ) سر : قطع سراره . لا تعبل : لا يسقط ورقها . سرقت : أصابها الدود . ( 2 ) الدهاقين : مفردها دهقان ، وهو زعيم فلاحي العجم .